* كان رجل يدعي الشعر ويستبرده قومه، فقال لهم: إنما تستبردوني من طريق الحسد. فقالوا: بيننا وبينك بشار العقيلي. فارتفعوا إليه، فقال له: أنشدني! فأنشده، فلما فرغ، قال له بشار: إني لأظنك من أهل بيت النبوة. قال له: وما ذلك؟ قال: لأن الله تعالى يقول: {وما علمناه الشعر وما ينبغي له}. فضحك القوم، وخرجوا عنه.
جاء إبراهيم بن سيابة إلى بشار، فقال له: ما رأيت أعمى إلا وقد عُوّض عن بصره، إما الحفظ والذكاء، وإما حُسن الصوت، فأي شيء عُوضت أنت؟ فقال بشار: ألا أرى ثقيلا مثلك!
* مر الفرزدق بمؤدب، وكان ينشد عليه صبي قول الشاعر:
وجلا السيوف عن الطلول كأنها ... ... ... زبْرٌ تجدّ متونها أقلامها
فنزل وسجد. فقال المعلم: ما هذا؟ فقال الفرزدق: هذه سجدة الأشعار نعرفها كما تعرفون سجد القرآن.
* عن الأصمعي أن الفرزدق قال: ما أعياني جواب أحد ما أعياني جواب دهقان! مرة قال لي: أنت الفرزدق الشاعر؟ قلت: نعم. قال: أفأموت إن هجوتني؟ قلت: لا. قال: أفتموت عيشونة ابنتي؟ قلت: لا. قال: فرجلي إلى عنقي في (...) أمك. قال: قلت: ويلك، لم تركت رأسك؟ قال: حتى أنظر أي شيء تصنع!
* قال أبو نواس (الحسن بن هانئ): استقبلتني امرأة فأسفرت عن وجهها فكانت على غاية الحسن والجمال، فسألتني: ما اسمكَ؟ قلت: وجهُك. فقالت: أنت الحسن إذن!
* مر عثمان بن حفص الثقفي بأبي نواس، وقد خرج من مرض، وهو مصفر الوجه – وكان عثمان أقبح الناس وجها – فقال له عثمان: ما لي أراك مصفرا؟ فقال أبو نواس: رأيتك فذكرت ذنوبي. قال: وما ذِكر ذنوبي عند رؤيتي؟ فقال أبو نواس: خفت أن يعاقبني الله فيمسخني قردا مثلك.
* رُئِي أبو نواس وهو يصلي في جماعة، فقيل له: ما هذا؟ فقال: أردت أن يرتفع إلى السماء خبرٌ طريف.
كان كل من أبو نواس وأبوالعتاهية ودعبل الخزاعي، وهم من أعلام الشعر العباسي، في نزهة، وفجأة مرت من أمامهم ثلاث فتيات تلبس كل واحدة منها ثوبا بلون مختلف فأرادوا التندر بألوان الثياب الثلاثة الأبيض والأسود والأحمر، فجادت قريحة كل منهم باللون الذي اختاره،
فقال أبو العتاهية في الثوب الأبيض:
تَبَدَّى في ثياب من بياض بأجفان وألحــاظٍ مِـراض
فقلت له عبرتَ ولم تسلم وإني منــك بالتسليم راض
تبارك من كسا خديك وردا وقدك مثل أغصان الريـاض
فقال نعم كساني الله حسناً ويخلق ما يشاء بلا اعتراض
فثوبي مثل ثغري مثل نحري بياض في بيـاض في بياض
وقال دعبل الخزاعي في الثوب الأسود:
تبدى في السواد فقلت بدرٌ تجلى في الظلام على العباد
فقلت له عبرت ولم تسلم وأشمتَ الحسود مع الأعادي
تبارك من كسا خديك وردا مدى الأيـام دام بــلا نفاد
فقال نعم كساني الله حسنا ويخــلق ما يشاء بلا عناد
فثوبك مثل شعرك مثل حظي سواد في سواد في ســواد
وقال أبو نواس في الثوب الأحمر
تبدى في قميص اللاز يسعى عذولي لا يُلقبُ بالحبيب
فقلت من التعجب كيف هذا لقد أقبلتَ في زِيٍ عجيب
أَحُمرة وجنتيكَ كَسَتْكَ هذا أم انتَ صبَغتَه بدمِ القلوب
فقال الشمسُ أهدَتْ لي قميصاً قريبَ اللون من شفقِ الغروب
فثوبي والمُدامُ ولونُ خدي قريب من قريب من قريبِ
اللاز : هو اللون اللازوردي
هجا بشار المهدي فجيء به إليه، وأَمر بضربه بالسوط فضُرِب بين يديه. فكان بشار إذا أوجعه السوط يقول: حَسِّ! وهي كلمة تقولها العرب للشيء إذا أوجع. فقال بعضهم للخليفة: انظر إلى زندقته يا أمير المؤمنين، يقول: حَسِّ ولا يقول: باسم الله. فالتفت إليه بشار وقال: ويلك! أثريد هو فأُسَمِّيَ اللهَ عليه؟! فلما ضُرِب سبعين سوطا بان الموتُ فيه، فأُلقي في سفينة حتى مات، فجاء بعضُ أهله فحملوه إلى البصرة فدُفن بها

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق